مقالات

النقش في الصغر والفهم في الكبر

 

خالد ألسلامي

         يحكى أن احد الصالحين مر بمجموعة من الصبية وهم يلعبون في الشارع كلٌ بطريقته فيتمرغون في التراب ويتشاجرون ويتعاركون فيما بينهم وقد تصل خلافاتهم نتيجة لعبهم الغير صحيح أحيانا إلى ذويهم مما يوسع الخلاف إلى حال اكبر مما كان بين الصبية أنفسهم وعلى مسافة ليست ببعيدة من أولئك الصبية لاحظ ذلك الر جل الصالح صبيا جالسا منفردا عن أولئك اللاعبون المتشاجرون يترقبهم وربما يفكر فيهم وبطريقتهم في اللعب والشجار فاقترب الرجل من الصبي المنفرد في مقعده والمبتعد عن أصحابه فتوجه إليه متسائلا عن سبب انفراده وعزلته قائلا له هل أنت يتيم أو مريض أم محتاج أو قد تخاصمت مع زملائك ؟ فأجابه الصبي بالنفي لكل تلك الاحتمالات ثم استفسر الرجل المتسائل عن سبب انفراده عن بقية الصبية إذاً ؟ فرد عليه بكل هدوء وثقة ( لم نخلق لمثل هذا يا سيدي فاللعب بهذه الطريقة يؤدي إلى الشجار كما ترى والشجار بين الصغار قد يتطور إلى ذويهم الكبار وهكذا فالأخشاب الكبيرة السميكة لا يمكن إحراقها بدون أن نحرق تحتها أعواد صغيرة من الحطب حتى نصل بحرارة تلك الأخشاب الكبيرة إلى درجة اتقادها فتأخذها النار فتحترق وهؤلاء الصبية هم الأعواد الصغيرة التي تؤدي إلى احتراق ذويهم) .

 حكاية قد يقول قائل ما هو المراد من سردها لنا ونحن نعيش الكثير منها في حياتنا اليومية ولكن لو تمعنا في إجابة ذلك الصبي التي تشير إلى انه مدرك ومتفهم لحقائق اكبر من قدرته في مثل هذا العمر لوجدنا أنها بحاجة إلى وقفة تأمل في ما تعنيه من معان كبيرة فقد نجد رجالا كبارا في حالة صراع مع تلك الأخشاب الكبيرة لحرقها إضافة إلى دقة ربطه لهذا المثل بأسباب حدوث حالات الاختلاف والاعتراك بين العوائل التي غالبا ما تكون أسبابها عائدة إلى اختلاف أولئك الأطفال الصغار

   إذن هي حكمة بالغة استنتجها هذا الصبي الذي قد يكون تربى في بيت ساعده على توسيع مداركه وليس فقط حشو ذاكرته فالذاكرة ليست سوى حافظة للمعلومات والصور والأحداث يمكن استدعاء محتوياتها عند الحاجة ولكنها لا تساعد على تحليل وفهم وإدراك تلك المعلومات والمعلوم لدى كل الناس أن الأطفال قبل سن الرشد أو قبل تقدم العمر يحتفظون بذاكرة حفظ قوية تفوق بقدرتها قدرتهم على الإدراك والتحليل التي يقوم بها جهازهم الإدراكي ( العقل ) وهي حالة تتنامى عكسيا مع تنامي العمر ومضي مراحله لدى بني البشر فكلما مضت مرحلة من مراحل العمر يتراجع نشاط الحفظ ويتزايد نمو الإدراك لدى الإنسان نتيجة لتراكم الخبرة والممارسة الحياتية ففي فترة الطفولة والصبا وحتى نهاية فترة المراهقة نجد أن الحفظ لدى هؤلاء يكون أكثر نشاطا من الإدراك والفهم والتحليل لما تختزنه حافظتهم من معلومات بينما نجد في مراحل العمر المتقدمة تضاؤل قابلية الحفظ لدى الفرد وتنامي قدرته على الإدراك والتمعن والتفسير لما تحتويه ذاكرتهم الحافظة من معلومات وما يتلقاه العقل من معلومات وما يشاهده من أحداث وصور.

   من خلال ما تقدم وخاصة قدرة ذلك الصبي الإدراكية التي ورد ذكرها في بداية مقالنا هذا وكذلك ما علمنا إياه قراننا الكريم في آياته البينات ( واتيناه الحكم صبيا ) والحكم هنا بالنسبة لنبي الله الصبي يحي عليه السلام هو الفهم والإدراك والعلم نجد أن هنالك إمكانية لتجاوز ذلك السير المتعاكس بين الحفظ والإدراك وجعلهما يسيران بخطين متوازيين متصاعدين نحو التقدم والتطور وازدياد قدرتهما على السير نحو الأفضل من اجل بناء قاعدة رصينة وواعية تكون أكثر الماما وإدراكا بما يجري حولها من تقلبات وتغييرات وتحمل ثقافة عالية بكل ما تعنيه الثقافة وكلٌ حسب مستواه العمري للنهوض بمجتمعاتنا وجعلها في مصاف الشعوب المتقدمة وهذا يأتي من خلال إيجاد طرق وأساليب تربوية منزلية وتدريسية في جميع مراحل الدراسة ابتداءً من الروضة وحتى الجامعة بحيث تتجاوز تلك الحالة التعاكسية وهذا بالتأكيد لا نستطيع نحن أن نجده ولكننا نتوجه به إلى ذوي الاختصاص من المعنيين بهذا الشأن وخصوصا علماء الدين والنفس والتربويون وحتى علماء الوراثة وعلم الفسيولوجية المتخصص بطبيعة تكوين الإنسان والرجوع الى القران الكريم عندما تحدث الخالق العظيم جلت قدرته عن نبيه يحيى عليه السلام وكذلك النبي عيسى عليه السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام , إضافة إلى ما نشهده من ظهور حالات مشابهة لذلك الصبي الذي وردت قصته في المقدمة لهذا الموضوع بين فترة وأخرى لديهم إمكانيات عبقرية في علم الرياضيات والعلوم الأخرى مما يؤكد على إمكانية وجود تلك الطرق والأساليب التي تعمل على جعل المساران ( الحفظ والإدراك ) يسيران بخطين متوازيين ومن الطفولة إلى الكبر وباتجاه واحد متصاعد نحو الزيادة في قدرة الحفظ والإدراك معا وقد لا نستطيع أن نحافظ على قدرة الذاكرة في المراحل المتقدمة من العمر بسبب ما قد يحصل لجميع أجهزة جسم الإنسان من اندثار في تلك المرحلة من العمر كما يقال في حالة تقادم العمر بالنسبة للمكائن والآليات مع فارق التشبيه ولكنها في كل الحالات مرتبطة بضعف القدرة مع تقدم الزمن ولكن بالإمكان تنشيط الإدراك منذ الطفولة ومساواته مع نشاط الذاكرة الموجود أصلا في مراحل العمر الأولى وبذلك يمكن كسر القاعدة التي دائما مانسمع بها ونرددها والتي تقول (النقش في الصغر كالنقش في الحجر والنقش في الكبر كالنقش في البحر) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى